بينى و بين النهر توأمة ، اسرار و أحاديث مطولة نتجاوز بها ملل الوقت و روتين الحياة اليومية..
هذا النهر المتسرع ال>ي يعشق الركض و أنا القابع دائما أنتظره أحبه و لا يكرهنى.
بالأمس بتر نصف الحديث و ركض بعيداً ، أبتسمت لكنى وجدتنى هذه المرة أتلصص عليه بحثاً عن سر هذا الركض المفاجيء ، تلصصت فرأيتها تأتى في اللحظة التي يتلاقى فيها على سطحه قرص الشمس الهابط و وجه القمر الصاعد ، رأيتها تخطو شدواً تتمايل نغماً ، تطرق بابه بباطن قدمها ، تموجات تدفع دوائر رنين الطرق لتنبأ بقدومها فيركض إليها فاتحا ذراعيه و الباب ، يدعوها للدخول فتتردد ، يدعوها تتدلل ، يتوسل فتتنازل جزئيا عن دلالها، يداعبها و يتحسس أخمص قدمها ، عرقوبها ، متسللاً يصعد أرجلها ، تشعر به و بأنها اجتازت حد الباب فتتلفت ترقب عيون الأشجار ، النخيل و هذا القمر الصاعد لا يزال ، تنظر نحوي فاختفى .. لم يزل يدعوها للدخول فتمسك بطرف جلبابها لتخلع عنها أقنعتها شيئاً فشيئا و انا لا يرتد إلي طرفي
- يا لبعد المسافة بين طرق الباب و دخول الجنة !
أنا لا زلت أتلصص، داخلى لا يستقر ، فالغيرة كالملح تجرى فى دمائي و تزيد من ثورة الموج داخلى..
- يا لك من خبيث أيها النهرُ ، لا اكرهك و لكنى أتمنى أن أمارس هذا الركض .
هي الآن تدخله ، يدخلها ، تهزه ، تعتصره اشتياقا إلى لحظة الشبق ، كلما مدت الخطو صارت التموجات دوائرا تهزه بشة ، فيركض إليها ، يعانقها ، يشرب عسلها و يستنشق عبق عبيرها فتتشكل دفقة من مائه جسداً يغلف جسدها المرمري فتفرد جدائلها خيوطاً ليلية على وجهه ، لينام على صدرها و يستريح .. و انا استرحتُ فالآن عرفت سر ركضه المفاجيء ..
أعاود التلصص وحين اكتمال وجه القمر على سطحه أراه يهديها إياه فتقبله تواضعاً و تستعد للرحيل ، يتململ ، تبتسم على وعد بأن تاتيه غدا ، يتشكك و لكنها رويدا رويدا تتسلل من بين أذرعه و أصابعه .. التموجات ليست كعهدها تخيفه فينكمش ، تربت على صدره فيسألها مرافقتها ، تؤكد له الوعد فيركض إلى جرتها محاولاً أن يختصر نفسه و يختبأ في قاع الجرة ، يملأها و تسيل مياهه العزبة على جانبيها لكنه يستمر في الصعود ، تكتفى و تحمل جرتها فوق هذه الجدائل التي تركت خصلة منها على وجهه ، تتركه خطوة خطوة ، متلصصا لم أزل لا يرتد إلي طرفي ، أنا البحر الذي أنتظره عند المصب /تسعة اوردتى و هى تقترب ، هرولت إلى ركن الانتظار و أنا أسمع نحيبه يعلو و يت>مر حين يشعر أن دفقة الماء التي تحمل أريجها تتركه في اتجاهي ..
- عذراً أيها النهر ..
يكرهنى حين أبتلع الدفقة تجرى في أوردتى فأشهق فى لحظة شبق .. انا الآن أملك الرياح أسيرها
- يا لقرب المسافة بيني و بين اكتمال
أضحك و المرمرية تمر من فوقي ترمقنى بنظرة حيرى ، لا أبدد حيرتها بل أبدأ الجزر حين تبدأ في الشدو - ( البحر بيضحك ليه و أنا نازلة أدلع املى القلل)