التساؤل بخصوص قضية ( لحظة الإبداع ) أو بمعنى أدق ( تكنيك الكتابة ) من القضايا الأدبية والنقدية التي تشغل الأدباء ، ومثل هذا الطرح يثرى اجواء التناول الأدبي وينميها ، بداية اذكر تجربة الكاتب الكبير " على أحمد باكثير " ( رحمه الله ) حين تحدث عن تجربته في الكتابة ذاكرا أن العمل الأدبي لديه ينقسم إلى جزئين رئيسين هما القالب والموضوع ، أو المضمون والشكل ، وذكر تنويعات مختلفة نحو هذا التقسيم ، فأحيانا تختمر في ذهنه فكرة معينة ، أو قضية ما تشغله كثيرا ، وتكون لديه مقاصدا للموضوع واضحة وعناصره مكتملة جلية ، ثم لا يجد القالب المناسب لاستيعاب هذا المضمون ، أو العكس يكون لديه الشكل أو القالب سواء كان من الأسطورة أو التاريخ أو حدث من الواقع ، أي لديه الثوب لكنه يريد جسد العمل الأدبي ( الفكرة ) الذي يرتدى مثل هذا الثوب ، يذكر الشاعر الامريكى ( روبرت لويل ) عن تكنيك الكتابة عندما سئل : كيف تكتب الشعر؟ فقال : " أحيانا التقط صورة من الطريق أو عند قراءة كتاب أو ما أشبه ، وقد تخطر بذهني عدة أبيات بأكملها ، ثم تنطلق الكلمات ويأخذ بعضها برقاب بعض إلي أن تتم القصيدة في النهاية فأختار لها العنوان المناسب " ( 1 ) وذكر أنه يؤمن بالإلهام إلي حد ما ، لكن الأساس الانفعال بشيء ما ، ويكون الأديب في حالة الاستعداد للتلقي وإقتناص لحظة الإضاءة ، ثم يتفاعل هذا وذاك في محصلة التجارب والخبرات والثقافة ، فتخرج القصيدة أو الفكرة ( 2 ) ، وفي أحد اللقاءات الأدبية التقينا بالكاتب الكبير / محفوظ عبد الرحمن وفي سؤال حول كون المبدع لديه أدواته الخاصة والتي ينفذ بها عمله الأدبي ، فهل يضع خطوطا رئيسة ، ثم تتفرع منها خيوطا فرعية ليكتمل الحدث ؟ وهل الكاتب يضع كل الخطوط أم هي التي تفرض نفسها ؟ ، فأجاب بأن تكنيك الكتابة يختلف من أديب إلي آخر وقال ما معناه : " ... اعرف أدباء يكتبون طبقا للحظة الإلهام ولا يكون لديهم أي تصور مسبق لعملهم الأدبي أو الفني وهذا أسلوبا لا ننكره ولكنني أتبع طريقة آخري وهي أنني لا اكتب إلا إذا كان العمل مكتملا في خاطري واعرفه جيدا لدرجة أنني اعرف تماما آخر سطر يقال في نهاية العمل ، وأمر بمرحلة طويلة من التجهيز والإعداد ، وقد أتعمد ضياع الأوراق لأكتب غيرها واكتب مخططات لا يعرفها ولا يفسرها غيري ، وأمر بجميع مراحل كتابة العمل وأسهل المراحل عندي هي مرحلة الكتابة نفسها ولا تكاد تستغرق وقتا يذكر مقارنة بما تم قبلها من مراحل التجهيز " ، ونخلص مما سبق ان الأدباء بين قسمين : قسما يكتب طبقا لوحي اللحظة ويترك العنان لقلمه وأفكاره لتتدفق على الورق ، وقسما آخر يترك للعمل فرصة الاختمار في ذهنه ويعد له خطة مسبقة ، ولكن الأمر عندي أيضا لا يكون علي سبيل هذا التحديد الدقيق فيمكن للأديب أن يجهز قسما من عمله ويأتيه قسما آخر حسب لحظات الإلهام ، وقد ذكرنا تجربة الكاتب الكبير " باكثير " فى هذا الشأن باختيار القالب والبحث عن موضوع أو العكس ( 3 ) ، وطبعا كل أديب له طريقته وطقوسه الخاصة في الكتابة فمثلا يمكن تحديد التخطيط بالشكل الأدبي أو القالب ، وتحديد الهدف بكتابة قصة مشوقة مثلا ، ثم الإعداد باختيار الحدث الرئيس ، وقد تكتمل لحظة الإلهام أثناء الكتابة نفسها بإبتكار خاتمة للقصة وتطور الحدث ، وهكذا الأديب له ذخيرته المطوية داخل وجدانه والتي تنطلق طبقا للحظات ثمينة ( لحظات الإبداع ) ، واستجلاء اللحظات الثمينة لا يمكن معها الاكتفاء باستعراض تجربة واحدة أو مجموعة تجارب باعتبارها قاعدة عامة ، وإنما هناك العديد من النماذج كما أشرنا فأيا كانت طقوس الكتابة وتكنيك التأليف تبقي للحظة الإضاءة أهميتها البالغة ( سواء علي مستوي الإنشاء أو الإتمام ) إذ أنها هي التي تمنح الروح الأدبية لجسد الكلمات ، يبقي أن نذكر أننا لسنا بصدد تفضيل تكنيكا معينا في الكتابة علي آخر فالعبرة في النهاية بجودة العمل الأدبي وقدرته علي التأثير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
( 1 ) ص 56 / عندما يتحدث الأدباء / علي شلش / سلسلة اقرا / دار المعارف .
( 2 ) من حديث استمعته من الأديب الكبير / محفوظ عبد الرحمن / شهر نوفمبر 2004 م " بتصرف "
( 4 ) المسرحية من خلال تجاربي الشخصية / علي أحمد باكثير .