|
|
|
|||||||
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
عبد الرزاق مربح أمنوكال الأهقار وعذابات من ذاكرة الرجل الأزرق إهداء إلى أرواح أبطال "تينيسا"... أُولئك الرجال الأحرار،، الذين اختاروا أن ينكسروا، ولم يركعوا لفرنسا.. المقدمة أمنوكال الأهقار.. وعذابات من ذاكرة الرجل الأزرق عزيزي القارئ ستجد خلف هذا العنوان المُلفت عملا متميزا في المحتوى والفكرة التي يتطرق اليها فهو يتحدث عن موضوع وبيئة وثقافة قل ما أشيرَ إليها في الإبداع الجزائري، في هذا المقام لا أدّعي بأني سأروي فضولك للاطلاع على فصول الحكاية بأكملها، بل أهدف هنا الى تسليط الضوء على مقاومة الرجل الأزرق الباسلة للاحتلال الفرنسي الغاشم ومساهمته الفاعلة في تحرير الجزائر. هذه اللمحة عن تلك الحقبة من تاريخ الجزائر لا تعطي للرجل الأزرق حقه كما يجب لكنها تهدف الى فتح نقاش واسع وثري بين مختلف فئات المجتمع من شأنه رد الاعتبار لأبطال منسيين جالدوا الصعاب وعاشوا المحن والأهوال وكان لهم الفضل من أجل أن تحيا الأجيال الحالية في كنف الأمن والسلام. من أنا لأكتب عن تاريخ الجزائر المجيد؟ لا يمكن أن تكتب عن تاريخ الجزائر العظيم وثورتها في وجه الاستعمار الفرنسي التي لا نظير لها عل مرّ الأزمان ما لم تكن تملك الجرأة الأدبية، أجل.. فالكاتب مجرد بشـر يخطئ ويصيب أحيانا أخرى خاصة عندما يصطدم بشحّ المصادر التاريخية وتضارب الروايات بشأن واقعة ما، مما يضطره الى استعمال خياله في سرد بعض الأحداث ودفع المشهد للأمام.. وقد يتعرض في أثر ذلك للنقد الحاد لمجرد كلمة قد تغاير الواقعة التاريخية التي يتناولها الكتاب في جزئية بسيطة ربما لم تحدث أصلا لكنها ضرورية لملء الفراغ الدرامي والخروج بعمل يستسيغه القارئ ويلفت انتباهه، وهنا على الكاتب أن يتقبل أي نقد بصدر رحب خاصة عندما يكتب في موضوع حساس جدا الا وهو الثورة الجزائرية وما أدراك ما الثورة الجزائرية. آمل من أعماق القلب أن يترك هذا الكتاب أثرا بارزا وأن تستطيع هذه الأحرف اثارة فضول القارئ لمعرفة المزيد. وفي الأخير أشكر وزراة الثقافة والفنون وجميع القائمين على دعم المؤلفين والكتاب ودور النشر على الثقة التي منحوها لنا ليرى عملنا النور واعطائنا لهذه الفرصة وذلك بالدعم المقدم لنشر هذا الكتاب وأحييهم على اتخاذهم لهذا القرار الصائب واطلاقهم لمثل هذا المشروع الهام والفريد الا وهو دعم النشر بمناسبة ستينية الاستقلال وذلك من أجل زرع ثقافة القراءة والاطلاع على تاريخ الجزائر وابراز هويتنا أمام العالم. هنيئا للجزائر بالستينية ودام الاستقلال! "تَسَسَّاويتْ كَمَتْ تَكَّاتْ هَانِيتْ أولْهين دزْكرَيَاتْ" "القصيدة المُرسلة لك فيها قلبي وذكــرياته" وُلدوا أحراراً.. مُنذ الأزل كانت أرحام تلك الأرض الطاهرة تدفع رجالا إلى الوُجود ولم تَزلْ، إنها بلاد الطّوارق، تلك البقعة من الأرض التي لا تعترف بشيء اسمه الزمن كأنها تملك مناعة فطرية ضد التأثر بسيل التطور الجارف الذي غمر كل الدنيا، نعم.. فهي إلى اللحظة لا تزال تعيش في زمن آخر كجزيرة عذراء لم تمسسها الحضارة الحديثة يوما؛ فهي تستغني عنها وتأبى إماطة اللثام لتكشف عن روحها النقية وجمالها الآسر الذي يخطف الألباب، إنها الأهقار تلك البلاد البعيدة التي ترتمي بين أحضان صحراء شاسعة كبحر من الرمال الذهبية المغلفة بزمرد السماء الأزرق تتخللها واحات كقطع من الجنة تتلألأ بالمياه العذبة والخضرة النّظرة التي تَسبي النّاظرين. كانوا أول من طرق أبواب الصحراء الكبرى؛ لذا أطلقوا على أنفسهم اسم الطّوارق، والحياة هناك لها طعم خاص لا يعرفه إلا أبناؤها، وكان كل الرجال هناك يضعون لثاما يخفي وجوههم ليس لأنهم يخشون الطبيعة، بل هي صديقتهم إلى الأبد كما كانت على مرّ العصور السالفة، لكنهم كانوا يضعون اللثام حتى يخفون أفواههم ويلجمون ألسنتهم ويُذكّرهم اللّثام بماهيتهم وما هُم عليه من إيمان راسخ في القلب والوجدان، فلا تنطق تلك الألسن بالسوء مطلقا، فهُم كانوا يعتقدون بأن اللّسان ثعبان يقوم بلدغ الآخرين ويخدش الاحترام ويحطُّ من قيمة الإنسان ويهوي به إلى الدّرك الأسفل من الكراهية ويسود الظّلام، فكان اللّثام بذلك حاجزا يمنعون به تسرُّب الخطايا من داخل الأنفُس إلى الخارج فتلوث تلك الأجواء النقيّة الطّاهرة الخالية من الشُّرور، تلك الأجواء التي صنعوها بأيديهم ولم يسمحوا لألسنتهم أبدا بأن تدمّر ما بناه الأجداد منذ غابر الأزمان، كانت تلك فلسفتهم التي لم تفقه كُنهها بقية الدنيا... قبيلة "كيل غيلا النبيلة" حوالي 1900م عندما تسقط الشمس بين ضفتي الأسكرام؛ لتحتضنها أرض أخرى، تكتسي السماء حُلّة حمراء لبُرهة قبل أن يحل الظلام ليطمس مَعالم نهارٍ صيفيٍّ قائظ، وتبدأ الكائنات في ممارسة طُقوس الحياة من جديد.. في عُمق السماء تحلّق ألحان الٕايمزاد، ممزوجة بأهازيج وأشعار قديمة تصدح من حناجر نساء القرية، لتكسر ذلك السكون الكونيّ الرهيب الذي لفّ الأفق.. النور الخافت الذي غشي كل الدنيا عند الغسق كان يوحي بليلية قمرية سرمدية.. الخلائق في خُلوة، تُعانق نعيم السّمر، تتلذذ بفُسحة من الكسل، إبريق الشاي يتوسّد حبّات الجمر الأحمر المتوهّج وكمٌّ من المُباحات.. بالقرب من القرية اصطف موسى اغ امستان ورفاقه لأداء صلاة المغرب، يشكرون الله على النعيم الذي أغدق به عليهم، ذلك السلام الروحي الذي ينير لهم الدّرب إلى حين سُلوك أرواحهم للطريق العامرة، مصير كل البشـر والكائنات، وتصبح الأرض حينها مجرد سراب صيفٍ بعيد. هياّ يا رجال! يصيح موسى في رفاقه حتى يجمعوا الحطب ويضرموا نارا من أجل وليمة الشواء، المَهَا التي اصطادها بقوسه قد جفّت لتوّها من الدماء، ولا يمكن الانتظار أكثر. إلّا حاج صالح لم يكترث لما يدور حوله، ينظر مليّا إلى الخاتم الذي يضعه في إصبعه، كان مرصعا بقطعة كبيرة من حجر "الجاد" الزاهي الخضرة إذ كان يعتقد أن في مقدرة ذلك الحجر الكريم أن يدعم صحة الإنسان ويقوي مناعة الأعضاء في مقاومة مختلف الأمراض، كان يؤمن إيمانا راسخا بذلك، وعن تجربة خاضها في السابق مع ذلك الحجر الأخضر، أما هذه المرة فقد طمر كل جسمه بالرمال عدا رأسه، في طقس علاجي غريب وعجيب، إذ كان يعتقد بأن الحرارة المنبعثة من قلب الرمال يمكنها علاج عديد الأسقام. أدهش الأمر الرجال الباقين وتركهم في حيرة من خرجات حاج صالح العجيبة. - هل تعلمون ماذا سمعت يا رجال؟ أعين الرجال كلها صوب أكُور، في انتظار ما سيطوّح به. - سمعت أن الثعابين السامة والعقارب تأوي إلى عمق الرمال طيلة النهار، وعندما يحل الليل تدب فيها الحياة من جديد وتبدأ في البزوغ في هذا الوقت بالذات، يا للعجب! كيف ينعم بعضهم بحمّام رملي في ظل هذا الخطر الداهم؟ إنه الجنون بعينه! هاهاها...تتعالى قهقهات الرجال ويدركون أنها ليست سوى مزحة طريفة من أكُور لإغاظة حاج صالح. غير أن المزحة فعلت فعلتها، فقد قفز حاج صالح من مكانه وانسل من تلك الحفرة عائدا إلى جماعته وهو يتمتم: يالها من كذبة مدهشة..يا لها من كذبة مدهشة! يجيبه أكُور: عن أيّ كذبة تتحدث يا رجل؟ تعال بنا نسأل حتى أصغر طفل في القرية وستدرك حينها أنك الوحيد الذي لا يعلم بالخطر الكامن تحت تلك الرمال. هذا هو أكُور، رجل كعمود البرق، غيرأنه كان داهية في عديد الأمور ويملك حس دعابة لا مثيل له، وفوق كل ذلك كان يملك ثعلبا.. أجل.. ثعلب بشحمه ولحمه! قام باصطياده في إحدى جولاته البعيدة، غير أنه كان ثعلب صغير الحجم من فصيلة "الفنك" النادرة، كان يمكن أن يضعه الرجل على كتفه دون حتى أن يشعر بأنه يحمله، وهناك في تلك البلاد البعيدة والمجهولة والتي لم تستطع أعين المتطفلين أن ترصدها يوما، هناك من الشائع جدا أن تجد أحد الرجال وقد اتخذ من ثعلب "الفنك" رفيقا له، يحمله معه أينما حلّ وارتحل.. وفجأة، وكم تحصل المفاجأت في هذه القصة وفي حياة كل واحد منا، فجأة يتذكر حاج صالح أنه كان صانع الحدث في تلك الأمسية بخرجته الغريبة تلك، وأراد أن يردّ الصاع صاعين لأكُور.. - هل تعلمون يا جماعة ما هي أعجب الأمور التي تحصل أمام أعيننا ولا نلقي لها بالا والتي استوقفتني في هذه الأمسية؟ يا رجال لقد بقيت أمامها مشدوها ومذهولا ومصدوما من جرأة بعض البشر! هل تعلمون أن هناك بيننا من يربيّ ثعلبا؟ تصوروا لو يقوم بعضّعه من أنفه عندما يأوي إلى فراشه ليلا، أو ربما يقوم بأكثر من ذلك، تصوروا أن يقوم ذلك الثعلب الماكر بنزع لثام الرجل ويذهب به بعيدا ويكشف وجه أكُور الذي لم ير الناس إلا عينيه منذ أن كان صبيا..إنها مصيبة كبيرة يا رجال! مصيبة لا تحتمل! أضحكت مزحة حاج صالح العديد من الرجال، حتى أن أكُور نفسه قد انفجر بقهقهات قوية.. في الجوار، يبدو أن أحد الرجال قد انتهى لتوه من إعداد الشاي وبدأت رائحته الزكية في تعطير الأجواء.. رشفة الشاي الأولى توقظ هواجس موسى اغ امستان، فقد حمل همّ الدفاع عن مسقط الرأس ومهوى الفؤاد بعد تكليف من مجلس إيمغاد الأهقار وأضحى يتحسس أي أخبار جديدة عن تحرك للقوات الفرنسية يمكن أن يهدد عرش الطوارق. - يا جماعة..يا جماعة..لقد رصدنا تحركات مريبة لفرقة المهارسيت في ضواحي تمنغست وعين صالح، وهي بصدد شق طريقها نحو قلب الأهقار، سيقطعون الطريق في وجه قوافل التجارة وربما تتم مصادرتها، يريدون تجويعنا، لكننا لن نركع لهم، نعم سننكسـر ولن نركع لهم، تلك الرُّسُومات على صخور "جبال الطاسيلي ناجر" التي تروي فصولها لنا حضارة أصيلة ضاربة في عمق التاريخ، تركها لنا أجدادنا منذ آلاف السنين، هي شاهدة على أحقيتنا في هذه الأرض، نحن لا نشبههم بتاتا، هؤلاء الفرنسيون المراوغون لا أمان لهم عندنا، سنسحق جبروتهم مثلما فعل آباؤنا من قبل... يرد أكُور: نحن بحاجة إلى رجل في مثل حماسك يا موسى، لكن رجال فرفة المهاريست ليسوا مثل سابقيهم الذين كانوا يتيهون في كل واد عند هبوب رياح السيروكو، المهاريست خبروا الصحراء مثلنا وأصبحوا عينا للعدو لا تنام، يتنقلون برشاقة وسرعة فائقة إذ يمكنهم التوغل إلى أبعد مما نتصور فقد تأقلموا مع أوضاع الصحراء، هذا ولا يخفى عليكم ما بحوزتهم من عتاد حربي كبير، نحن لدينا الرماح وهذه السيوف وهم يملكون البنادق والله أعلم ماذا يخفون في جعبتهم من أسلحة فتّاكة سترشقنا بالنار والحديد، يجب ألّا نستهين بهم. «مهرجان السّبِيبَة» تتدفق حشود من المحاربين الملثمين، الرجال الزرق في أُبّهة عظيمة، لا شيء اليوم يردعهم عن العناق. على وقع دقات الطبول، تبدأ رقصة المحاربين...موسى، أكُور، حاج صالح وكل فرسان الطوارق حاضرون في "السّبِيبَة"، هنا يتلذذ الجميع يرتشفون جرعة من الأخوّة والسلام، هنا لا مكان للعداوة والخصام، هنا في هذه الفيافي الممتدة على مدّ البصر تسعد الخلائق وتسمو أرواح النبلاء...يا لزرقة السماء، لا غيم يغشاها، يا للألق.. أرجل الرجال تدُكُّ الأرض دكّا عنيفا، يتطاير الغبار وتبرز السيوف لامعة في العلياء، هنا الكبرياء، هنا الوحدة، هنا العظمة، هنا النّقاء.. في "السّبِيبَة" الكل فائز، لا هزيمة اليوم ولا مهزومون...الكل متجه إلى فضاء الروح والمحبة الخالصة، اليوم يلتقي أبناء الصحراء ويرسمون عهدا جديدا من الوفاق في طقس فلكلوري بهيج لا نظير له، عطور فردوسية تعبّق الأجواء، في العلياء الشمس شاهدة والسماء، والأرض تحتضن الأبطال.. من ذا الذي يجرؤ على الاقتراب من عرش الطوارق؟ من ذا الذي يشق الآفاق من أجل غزو هذه البلاد البعيدة...البعيدة جدا؟ من يجرؤ على فعلها ستطارده هذه الأرواح أينما حل وارتحل، ستصيح في وجهه الجبال والوديان، ستلفظه هذه الأرض من بين ثناياها، سيعود من حيث جاء. ويستمر الرقص والسمر حتى تفرق نسمات الليل الرطبة الجمع إلى لقاء قريب. مركز قيادة العمليات العسكرية الفرنسية بتدكلت "عين صالح" يجمع القائد فرنسوا هنري لابرين ضباطه في القاعة المحاذية لمكتبه، شاخص ببصـره إلى الخريطة المعلّقة على الجدار، كان حانقا جدا ومنزعجا من رؤسائه الغير مبالين بمراسالاته وتحذيراته لهم في كل مرة .. - هل تعلمون يا حضرات ما هو الشيء الذي يستفزُّني في كل هذا الهُراء؟ ماذا يريد منا قادتنا العسكريون في الشمال؟ يريدون مني أن أرسل لهم كمية من التمر، بل وحتى بعضا من أشجار النخيل من أجل غرسها في الشمال، هذا دون التفكير في المساحة الشاسعة التي تفصلنا عنهم، نحن أبعد عنهم من فرنسا نفسها! يا للعجب!... إنهم يشعرون بالبرد وأشجار النخيل تعطيهم إحساسا بالدفء، يحسبونني قد تحولت إلى مزارع حتى ألبّي لهم طلباتهم التافهة...هراء، هذا كله هراء! فرنسا...نعم فرنسا يا حضرات، لا تُقيم وزنا لما يحدث هنا في الصحراء، إنها تعبث معنا فحسب، يعتقدون أن مجرد إمضاء الداي منذ زمن غابر على وثيقة تسليم الجزائر يعد نصرا، لا، لا هم مخطئون في ذلك، فنحن لم ننته من الأمر بعد...لم نقترب حتى من ذلك، فالناس هنا لا يعترفون بأي شيء، لا سُلطة لنا هنا.. أم يظن القادة هناك في الشمال أنهم ربحوا الحرب بمجرد تموقعنا في عين صالح وبعض البلدات الصغيرة المتناثرة...هُم لا يعرفون مع من نتعامل هنا، نحن بين أحضان الصحراء، نحن نجهل عدونا، رجل أزرق ملثمّ، يظهر فجأة من العدم ثم يختفي أمام أعيننا كالسّراب، كأنما الرمال قد ابتلعته ولا نستطيع رصد تحركاته في هذا البحر الأصفر الحارق، هل تعلمون؟ هل تعلمون يا سادة؟ أنا مسؤول عن مساحة شاسعة تعادل حجم فرنسا برمتّها! وماذا أملك بين يدي؟ مجرد سبعمئة رجل! هذا وهناك من يجرؤ من البشر الكُسالى ويخبرك بأننا نسيطر على الصحراء...هراء، هذا كله مجرد هراء لا يحتمل. يسترسل في الحديث وهو يشير إلى أحد الرجال: - أنت..نعم أنت يا سيادة الضابط..هل يمكنك أن تحكم فرنسا بسبعمئة رجل؟ طبعا لا! هل تعلم فرنسا بأنه وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على دخولنا للجزائر لم نستطع غزوها بشكل كامل إلى غاية يومنا هذا! هل يُعقل؟ ألا يخاف القادة هناك في الشمال من اشتعال مقاومة جديدة هنا تهدد وجودنا على هذه الأرض؟ كنت يائسا في وقت مضـى، ولولا حنكتي ومبادرتي إلى إنشاء فرقة المهاريست لحدث الأسوأ بالطبع، وهُنا أعلمكم بأنني قد طلبت من القائد العام تزويد هذه الفرقة بأسلحة فتّاكة، تصوّروا.. اكتشفت أن لدى قواتنا في الشمال بنادق يمكنها رمي الرصاص والتصويب وإصابة الهدف إلى مسافة بعيدة وبدقة كبيرة، وفوق ذلك يمكنها أن تطلق النار أكثر من مرة دون الحاجة إلى إعادة تذخيرها من جديد... هذا سيُجنّبنا القتال المتلاحم مع العدو، أمر مدهش أليس كذلك؟ وأنتم تعلمون ماذا أقصد بالقتال المتلاحم مع الرجل الأزرق...لقد خسـرنا كل المعارك السابقة معهم بفضل تفوقهم علينا وقدرتهم على القتال في مثل هذه الظروف الصعبة، لكن اليوم الوضع مغاير تماما. هاهاها..فقريبا..قريبا جدا عندما أضع يدي على تلك الأسلحة، فلن يبقى للرجل الأزرق من وجود، ستقهرهم فرقة المهاريست، وسأبيدهم...أجل سأبيد كل من تسوّل له نفسه العبث معنا ومواجهة فرنسا العظيمة. هاهاها...سأذيقهم من ويلات "الهوتشكيس"! هئ هئ هئ...يبدو أنكم لا تعرفون ما هو "الهوتشكيس"؟ لا بأس..لا بأس..إنه مفاجأة صغيرة أُعدُّها للرجل الأزرق، هدية من صديق حرب قديم، ستعجبكم لا محالة... ماذا تنتظرون؟ هل نسيت شيئا لم أخبركم به؟ ينهرهم بشدة: - هيا ما بالكم..انتشروا... انتهى الاجتماع..كل واحد إلى عمله، لا مزيد من الوقت لنضيّعه! تواصل فرقة المهارسيت طلعاتها في تخوم الصحراء، تقطع طرق القوافل التجارية وتضيّق الخناق على تجارة الطوارق، تعتدي على كل من لا يعترف بسلطة فرنسا ويدين بالولاء للأمنوكال قائد الأهقار، كانت تطاردهم أينما حلوا وارتحلوا.. أوامر القائد لابرين واضحة في هذا الشأن، كان يستفز ساكنة الصحراء حتى يثوروا ضده، كأنه كان يريدهم أن يتوحدوا على كلمة واحدة وتكون معركة فاصلة، كان يعدّ لشيء عظيم حتى أن أقرب ضباطه يجهلون ماهيته، شيء يدعو إلى التعجب حقا، ولا يوجد له أي تفسير سوى أن القائد لابرين قد جن جنونه وسيقود فرنسا إلى الهاوية بسبب تهوره -حسب رأي ضباّطه طبعا- قبائل الصحراء بدأت تتحد، فقد تسلل القلق إليها وحامت الشكوك حول وجود مؤامرة تحاك لضـرب الطوارق، كان موسى اغ امستان ورفاقه يجوبون البيادي مع الغسق، حتى لا ترصدهم أعين فرنسا، يجمعون من الرجال ما استطاعوا لمواجهة هذا العدو الغاشم. ستكون ضربة رجل واحد، وستذوق فرنسا منّا بأسا عظيما..هذه كانت كلمة رجال الطوارق. تينيسا "تيت" 7 ماي 1902م "اليوم الذي أموت فيه لا بد أن تدفنوني في قطعة بيضاء، ناصعة من الكتان، مثل أوراق الكاغط، وصدقوا عني ثلاث أغنيات من غناء إيمزاد.. والفاتحة" في اليوم الموعود، وبالقرب من قرية "تيت" خرج الرجال الزُّرق، خيرة مقاتلي الطوارق...مئات الرجال على ظهور الجمال وسيرا على الأقدام، وعلى ضفاف الوادي تحصن رماة النبال بين الصخور، في انتظار فرقة المهاريست.. من بعيد، بدأت تظهر حركة حذرة للفرنسيين، منحوا الطوارق كل الوقت.. لم يكن الفرنسيون على عجلة من أمرهم لبدأ القتال، كانوا ينتظرون حتى تتجمع كل القبائل، كانوا يتّبعون أوامر القائد لابرين، رياح القدر كانت تنبئ بصفقة عقدها لابرين مع الشيطان.. وفجأة، انطلقت جموع الطوارق صوب الفرنسيين، بدأ الجنود الفرنسيون في التصبب عرقا أمام هول ما يحدث، الرجل الأزرق الملثم يشق الآفاق كالبرق، يحمل الموت معه...الموت قادم، ها هو ذا قد اقترب! اقترب الموت جدا، تشتت تركيز الجنود وبلغ بهم الهلع مبلغه، شرعوا في إزالة الأربطة عن ذلك السّر الذي كانوا يخفونه تحت قطعة كبيرة من القماش.. هل نُطلقه؟ - ليس بعد الجنود في تردد: هههل نُطلقه يا سيدي؟ - قلت لكم ليس بعد! الآن .. الآن.. يصيح قائد المهارسيت: هيا افلتوا الوحش! فيقوم بعض الجنود بإزالة الغطاء عن رشاش "الهوتشكيس"! وتشتعل النيران...دوي عظيم فجّر الصحراء.. رشقات الرشاش صوب الرجل الأزرق... أمطرت السماء نارا.. جحيم مستعر، حلقات من وميض جهنمي تتدفق على الوادي..بلا رحمة، بلا شفقة... أبيدوهم ...تتطاير الدماء..يصيح القائد: هااي أنت أيها الجندي لماذا توقفت؟ يالك من أحمق! هيا واصل رشقهم بالنار والحديد، حتى جمالهم أبيدوها...لا أريد أن أرى أيّ كائن يخرج حيّا من هذا الوادي...طاردوا الجرحى وأجهزوا عليهم جميعا...سقط حاج صالح، سقط أكُور، الجمال تجثوا على الرمل الملتهب، وفرّ ثعلب الفنك من الميدان.. دويّ رشاش الهوتشكيس كان آخر صوت يسمعه الرجال الزرق قبل رحلتهم إلى السماء، شهداء عند ربهم، مدافعين عن أرضهم وعرضهم على خُطى الأجداد. في القرية لا تزال ألحان "الايمزاد" تصدح في الأرجاء، أهازيج النساء تدوي بقوة وزغاريدٌ تكاد تقتلع جبال الطاسيلي..الأولاد منهكون يدورون في حلقات منذ الصباح...ينتظرون انتهاء الأمر...ينتظرون على أحر من الجمر أن يشرفهم الآباء باستشهادهم في ميدان الشرف. أدرك موسى اغ امستان حينها أنها كانت مواجهة غير متكافئة في القوة، كان وقع الصدمة كبيرا على رفقاء موسى، إنها مجزرة بحق أعدّتها فرنسا بخبث كبير حتى تكسر شوكة المقاومة.. بعد إصابته التحق برفاقه المتبقين والذين كانوا متحصنين على ضفاف الوادي...وانسلوا رويدا رويدا من مشهد الدماء المتناثرة... في المركز العسكري الفرنسـي بعين صالح، يقيم القائد لابرين حفلا كبيرا فرحة بنصره الساحق.. يشرب كأسا من النبيذ على دفعة واحدة.. - ألم أكن على حق؟ ضربة واحدة تكفي! أجل أردتها أن تكون ضربة واحدة تقصم ظهر الرجل الأزرق ولن تقوم له قائمة بعدها.. واليوم أجل اليوم، يمكن أن أقول لكم بأننا قد اقتربنا جدا من إحكام قبضتنا الحديدية على كلّ الجزائر..الجزائر برمّتها أصبحت ملكنا اليوم.. هل أعجبتكم مفاجأتي الصغيرة؟ "رشاش الهوتشكيس" المرعب، ألم تقعوا في غرامه يا رجال؟ سيمكّننا هذا السلاح الفتّاك من التوغُّل في عمق الصحراء إلى أبعد نقطة يتحصّن بها الطوارق. نحن لدينا الهوتشكيس، ماذا يملكون هم؟ أين سرّهم الكبير الذي يخفونه عن فرنسا وعن كل العالم؟ إنه لم يظهر إلى حد اللحظة! ولا أظن بأنه سيظهر ذات يوم. يا سادة..يا حضرات..هل تعترفون اليوم بحنكتي ودهائي الكبيرين؟ ألست داهية الصحراء بلا منازع؟ أنا.. أجل أنا كنت أريد أن تتّحد قبائل الأهقار وتثور في وجهنا حتى أبيدهم دفعة واحدة، كان الأجدر بهم أن يتبعوا معنا خطة الكرّ والفرّ، هكذا تُدار المعارك عند اختلال موازين القوى، لكنهم اختاروا المواجهة وأنا سئمت من تشتت جهودنا في هذه البقاع الشاسعة من الأرض، وعدم جدوى غاراتنا عليهم العديدة منذ عشرات السنين لذلك جمعتهم هناك في "تينيسا"..يا للهول أنا لا أكاد أصدق أننا فعلناها..لقد قمنا بإبادة الرجل الأزرق! هيا اهتفوا يا رجال: تينيسا..تينيسا..تينيساااا فرنسا...فرنسا..فرنساااااا هئ هئ هئ...ستبقى موقعة "تينيسا" محفورة في ذاكرة كل من تسوّل له نفسه مواجهة فرنسا العظيمة في وقتنا الحالي، وحتى في المستقبل البعيد ولدينا مزيد. كانت معركة "تينيسا" بالقرب من قرية "تيت" بداية لعهد جديد ومعركة أخرى قادمة أشد وقعا على الطوارق من سابقاتها... أرادتها فرنسا معركة في العقيدة فقد بدأت ترسل المبشّرين إلى الصحراء وكان من أبرزهم الراهب "شارل دوفوكو" أو "المرابط الرومي" والذي سنأتي على ذكره فيما تبقى من الحكاية... "تدكلت" مدينة عين صالح 19 يناير 1904م كان القائد كومندان فرنسوا هنري لابرين متوترا هذه المرة على غير عادته، لم يستطع تجرع الركون إلى راحة قسـرية لقواته المرابضة بالصحراء فهو بصدد توقيع اتفاق سلام مع الطوارق حتى لا يعترضوا طريق القوافل الفرنسية، وفي المقابل توقف فرقة المهارسيت اعتداءاتها المتكررة...كان يراه الطوارق مجرد اتفاق سلام مؤقت، أمّا فرنسا فقد اعتبرته وثيقة لتسليم الصحراء بشكل نهائي وغير قابل للتفاوض عليه مجددا. أرسل مجلس الإمغاد القائد موسى اغ امستان لإمضاء الاتفاق مع كومندان لابرين، أبدا لم يعتبره الإيمغاد استسلاما أو رضوخا لسلطة فرنسا، بل هي مُداهَنة للأوضاع وسلام ظرفي سرعان ما تضمحّل بنوده ريثما ينشئ جيلا جديدا من الرجال الأحرار، يفدون البلاد بأرواحهم في مواجهة الطغيان والذين سيدحرون فرنسا ويقومون بطردها من هذه البلاد الطاهرة إلى الأبد. مضى ذلك اليوم عسيرا على موسى وكل الأهقار، امضوا على الاتفاق على مضض حتى لا تستمر فرنسا في حرب الإبادة، هي لا تتردد في إبادة الشعوب والقبائل التي تعترض طريقها أبدا؛ فتاريخها الحافل بتلك الأحداث المشؤومة في شتى بقاع الأرض خير دليل وبرهان، اليوم وفي كل الأزمان. كانت أوروبا في تلك الفترة مهدا لاختلاق الصـراعات والحروب وغزو الأمم الأخرى وما إبادة الرجل الأحمر في الشمال الأميركي إلاّ خير دليل، وها قد حان دور الرجل الأزرق في الشمال الأفريقي حتى يتعرض للإبادة.. بعد هذا التاريخ أي في التاسعة عشر من شهر يناير عام 1904م ميلادي، أصبحت الأهقار أمام عهد جديد فقد توقفت مناوشات فرقة المهاريست ضد الطوارق، غير أنها كانت تجوب الصحراء بكل حرية ودون أن تتعرض إلى أي مضايقات، أصبحت تتوغل أكثر فأكثر في عمق الأهقار دون هوادة، الطوارق من جانبهم عادوا إلى ممارسة تجارتهم وانتشروا بدوابهم في مناطق الرعي، وركنوا إلى سلام حذر مع فرنسا ولو إلى حين.. هل أرضى ذلك فرنسا؟ لا، أبدا.. فكل ذلك لم يلجم الأطماع الفرنسية التي لا حدود لها ولا برّ لها تستقر فيه. شارل دوفوكو "المُرابط الرومي" فكّر في أنك ستموت شهيدا، مسلوبا كل شيء، ممددا على الأرض عريانا، مشوها، مضرّجا بالدم والجروح، مقتولا بعنف وضراوة، وتق إلى أن يتم اليوم كل ذلك. أختي الحبيبة.. أرسل لك خطابي من هنا إلى هناك! آه كم اشتقت إليك، رائحة الخبز الذي تعدينه في الصباح...اشتقت لرائحة ذلك الرذاذ العطر لحبة الليمون عندما أقطفها جديدة من حديقة المنزل...اييييه ذلك المنزل...كم اشتقت إلى منزلنا القديم في ستراسبورغ! هدموه يا أختي، هدموا ذكرياتنا ليبنوا مكانها فرعا للبنك الفرنسي، أصبح اليوم مجرد ذكرى طفولة بعيدة..بعيدة جدا لو تعلمين. لم يعد هناك ما يربطني بفرنسا غيرك أنت يا أختي.. هل تعلمين؟ لقد أصبح أخوك ناسكا! أجل.. أصبحت ناسكا أنشر نور الرّب في أرجاء المعمورة، بعد حياة الطّيش السابقة، هل تصدّقين الأمر...شارل أصبح ناسكا فجأة! بعد بضع سنين قضيتها في بني عباس غرب الجزائر، قذفتني الأقدار اليوم في أرض جديدة ومجهولة، أرض غير الأرض التي نعرفها وحضارة أخرى نجهل عنها كل شيء، اليوم أنا أكتب لك رسالتي من معتكفي في قمة الأهقار "الأسكرام" يا لروعة المنظر! ليحفظكم الله كلكم بصحة جيدة إلى يوم عودتي إلى فرنسا، بعد النصر: فإني آمل أن أقضـي حينئذ أشهرا عديدة في فرنسا وأمكث أياما ممتعة معكم، بل أسابيع. لدي صديق هنا يدعى "موسى اغ امستان" إنه أمنوكال الأهقار، إنه زعيم الأهقار والأب الروحي للطوارق...ههه هل تصدّقين؟ لحد اللحظة لم أر وجهه! سأنقل لك كل أحاديثي الشيقة معه، سأراسلك قريبا...مودتي.. كان هذا الخطاب الأول الذي يرسله الراهب شارل دوفوكو إلى أخته في فرنسا، يبدو أنه وجد ضالته أخيرا واستقر به المقام عند الطوارق بعد تعرفه على الأمنوكال موسى اغ امستان. - موسى...لم لا تُظهر وجهك؟ لماذا العيون وحدها من تتحدث؟ ما قصة هذا الصمت المطبق؟ اروي فضولي يا موسى.. - اسمع يا شارل.. سأقص عليك حكاية طارقية قديمة أراها تنطبق على حال فرنسا اليوم تقول: "يأتي الشيطان إلى الصحراء في آخر الزمان ممتطيًا حمارة بيضاء، يلوّح للخلق بالمقتنيات اللاّمعة التي لها بريق التّبر كي يسحر الناس ويأخذهم بالبريق فيتدافع الأغبياء، وتركض وراءه الأجيال، تجري وراءه الأمم، وتتبعه مأخوذة بالبريق مسحورة بالتّبر، إلى أن يرميهم في الهاوية عندها تنوح الصحراء وتبكي ضياع الأبناء" هل آمنت الآن يا شارل؟ ..ما الذي جاء بكم إلى أرضنا؟ أنت تريد أن ترى فقط، حالك حال بلادك.. أما أنا فأريد أن تستمع، أن تنصت بقلبك يا شارل.. هل هو الفضول وحده حقا؟ هل حقا هو الانتقام لشـرف فرنسا؟ ما الذي حملكم على غزو بلادنا؟ أليس الطمع في خيراتنا هو ما جاء بكم إلى هنا؟ ألا تنعم فرنسا وتزدهر بفضل خيرات هذه البلاد؟ هل نسيت ماذا فعلتم في "تينيسا"؟ لقد قمتم بإبادة جيل من الرجال الأحرار بأكمله..يا للعار.. أليس ما نراه منكم يدحض كل ادعاء؟ تدّعون أنكم تنشرون الحضارة في البلاد الغريبة التي لا يفقه أهلها شيئا حسبما تزعمون، تظنون أنكم وحدكم من تملكون القوة، القوة المطلقة، والسلطة المطلقة على جميع خلق الله، كأنما عندكم إيمانا راسخا بامتلاككم لحق إلهي لسحق الحضارات الأخرى، الله خلقنا مختلفين لنتعارف وليس ليبيد بعضنا بعضا.. وفي غمرة كل هذا ربما تكونون قد نسيتم بأننا نملك قوة الروح، أرواح هذه الأرض لا تُقهر يا شارل، ستدركون ذلك عن قريب، صحيح قد تقتلون من شعبنا الكثير.. لكن فلتعلم بلادك بأنها في مواجهة شعب ينكسر ولن يركع لها يوما وسيأتي ذلك اليوم الذي تُنزع فيه شوكة فرنسا من بلادي إلى الأبد. - أحترم وجهة نظرك يا موسى، منذ اليوم سأستمع يا موسى، سأصغي بكل جوارحي، أنا أتوق إلى معرفة المجهول.. وإني لأراني قد بدأت أحب الإنسان بعدما أدهشتني الأرض، هذه الأرض فيها أجمل غروب قد تراه عين بشر...عندما يبتلع قرنا "الأسكرام" ذلك القرص الأصفر المتوهج..يا للبهجة..هناك...في تلك اللحظة بالذات تسبح الروح في سكرة النعيم الأبدي.. ياااه...كم أنا ممتن لكم يا موسى على قبولكم لي ضيفا بينكم، في دياركم...بل وبنيتم لي بيتا في حماكم، سأمكث هنا حتى تصعد روحي إلى السماء، هل توجد بقعة في الأرض أجمل من "الطاسيلي ناجر" أو قمة أبهى من قمة "الأسكرام" للموت فيها؟ لا يوجد شيء يضاهي هذا النعيم، هذا السكون الكوني الفريد.. - يا شارل نحن عند عهدنا معك، كلمة الرجل هي شرفه، عش بسلام في أرضنا…لكن تأكد أن أرواحنا لا يمكن العبث معها، إنها محصّنة لا تُخترق. - موسى..لماذا ألقيتم أنفسكم في الهلاك يوم "تينيسا"؟ لماذا تأبون العيش في كنف السلام؟ لماذا لا ترضون بالقدر الذي كتبه الله عليكم؟ - يا شارل..نحن لن نخون العهد، لدينا عهد مع هذه الأرض، لا يمر جيل عليها إلا ويفديها بالدم، لا يمكننا أن نكسر القاعدة، البارحة مات من أجلها آباؤنا واليوم نحن وغدا أبناؤنا وبعد غد الأحفاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها...لن تركع هذه الأرض لغير الله يا شارل، حتى ولو بدا لكم العكس..ستنهض هذه الأمة عن قريب وستروي هذه الأرض الطاهرة بدماء زكية تُراق من خيرة الأبناء.. - يا موسى.. هل تعلم؟ لقد ولَّد الإسلامُ فيَّ انقلابًا عميقًا، إن رؤية هذا الإيمان وهذه النفوس التي تعيش باستمرار في حضرة الله، جعلتْني أرى أن هناك شيئًا أعظم وأحق من الاهتمامات الدنيوية الباطلة، فأخذت أطَّلع على الدين الإسلامي، ثم على الكتاب المقدس. يا موسى لقد كنت أرى تلك البرانس أو العباءات الواسعة تنحني بروعة، في حركة واحدة، بحسب الركعات المفروضة، وكنت أسمع أصداء صلاة تردِّد بنبرة أعلى ابتهال "الله أكبر!"، فكان يجتاحني قلقا شديدا هو مزيج من الخزي والغضب، ووددت أن أقول لهم إني أيضًا أؤمن وأعرف أن أصلِّي وأن أسجد. أختي الحبيبة... آه يا "ماري" العزيزة كم اشتقت إليك، رائحة الخبز الذي تعدينه في الصباح...اشتقت لرائحة ذلك الرذاذ العطر لحبة الليمون عندما أقطفها جديدة من حديقة المنزل...اييييه ذلك المنزل...كم اشتقت إلى منزلنا القديم في ستراسبورغ، هدموه يا أختي، هدموا ذكرياتنا ليبنوا مكانها فرعا للبنك الفرنسي، أصبح اليوم مجرد ذكرى طفولة بعيدة..بعيدة جدا لو تعلمين. لن أعود إلى فرنسا! وجدت نفسي هنا! كنت أعيش "حياة فارغة لا نفع لها" كانت تلاحقني الفضائح.. سأحيا هنا.. وأموت هنا .. في ظروف يلفّها الغموض، قُتل شارل دو فوكو من طرف "مهاريين" قاموا بالتسلل خلسة إلى حمى الرجل المضياف الامنوكال موسى اغ امستان.. من الطارق؟ فأجابه صوت من الخارج فيه شيء من العنف والتخاذل: أنا المدني. وما وراءك؟ إني أتيت إليك بالبريد! « المرابط الرومي » هنا كانت نهاية حياة. عندما سمع الأمنوكال موسى اغ امستان بمقتل الناسك شارل دوفوكو حزن كثيرا واستاء بشدة من الحادث الذي تلفه ظروف غامضة.. في ظل تلك الحادثة أرسل موسى اغ امستان خطابا يعزي فيه أخت الراهب شارل دوفوكو .. يقول موسى: "لما سمعت نبأ موت صديقنا، أخيك شارل، أغمضت عيني واسودت الدنيا بوجهي فأجهشت بالبكاء وسال دمعي مدرارا وغمرني حزنا كبيرا، إن موته آلمني كثيرا... ليرحمه الله، وإن شاء الله سنلتقي معه في الجنة" كان موسى موقنا بأن صديقه الراهب شارل دوفوكو قد أحب الصحراء وأهلها، وبدل أن يبثّ فيها المسيحية بثّت الصحراء في قلبه الهدوء والسكينة التي نعم بهما سنين من الزمن عاشها بين الطوارق.. بعدما وصلت كتب الناسك شارل دوفوكو إلى فرنسا قامت أخته بنشر كتاباته وأشعاره وجميع حكاياته التي تناولت حياة الطوارق وثقافتهم الضاربة في عمق التاريخ، لم يخف شارل تأثره بطريقة عيش الطوارق، ذكر في كتبه أحاديثه الشيقة مع الأمنوكال وكيف أنه وجد أمة عظيمة في الصحراء تستحق أن تحترمها فرنسا وكل الأمم الأخرى. أصبحت فرنسا كلها تعرف من يكون الأمنوكال موسى اغ امستان وتبجله، تحترمه مقاوما وزعيما ثار ضدها، وتحترمه مؤمنا متسامحا مع ابنها الراهب شارل دوفوكو رغم أنه كان يؤدي رسالة تبشيرية في أرض الطوارق، لكن يبدو أن شارل دوفوكو عوض أن ينشر المسيحية هناك فهو تُراه قد انغمس في ثقافة تلك الأرض وترك خلفه إرثا من الأشعار التي تتغنى بجمالها الأسر الذي يخطف الألباب. بعدها قامت السلطات الفرنسية بدعوة أمنوكال الأهقار موسى اغ امستان إلى فرنسا، استقبل يومها استقبال الملوك فقد كانت تسبقه سمعته الكبيرة، يا لغموض هذا الرجل ويا للرهبة التي تشع من عينيه! أي سرّ عظيم تحمله في جعبتك يا موسى؟ فضول فرنسا يحبس الأنفاس لتعرف ماهية الرجل الذي جاء من مهد الحضارة.. كان شرف كبيرا لفرنسا أن تستقبل بطلا مثل موسى اغ امستان، زعيم الطوارق، تلك الأمة التي أخطأت فرنسا في حقها خطئا جسيما لا يغتفر، تلك الأمة صاحبة الحضارة المجهولة إلى يومنا هذا.. التقى موسى مع أخت شارل دوفوكو في منطقة "بروكوني" وعاش فترة هناك بعد حياة حافلة قاوم فيها بكل بسالة اندثار حضارة الطوارق، سجّل فيها اعترافا فرنسيا لا غبار عليه وإقرارا منها بعلو وغنى ثقافة تلك البلاد العريقة. وبعد مرور حوالي خمس وثلاثين سنة على رحيل الأمنوكال موسى اغ امستان من هذه الدنيا إلى دار الحق، جاء دور الأبناء في سقي أرض الجزائر الأبية بدمائهم الزكية... أبناء ذات نوفمبر كانوا أشاوس كان الأبناء كرماء جدا بالدم...أشعلوا ثورة من العدم..كان بحر..كان طوفان أحمرا أغرق فرنسا في الوحل وطردها من الجزائر إلى غير رجعة...كانت مليون ونصف مليون روح طاهرة، زكية، نقية، كلها كانت هدية من أجل الوطن... أجل .. انكسـروا ولم يركعوا لفرنسا...مثل آبائهم الأولين..كان النصر حليفهم في الأخير وبفضلهم يستنشق الأحفاد اليوم نسيم الحرية وينعمون بالسلام.. هلّا يعتبر الأحفاد؟ النهاية |
|||
|
|
|