|
|
|
|||||||
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
حزن اسمه الوطن كان الأب واقفا عند النافذة، لكن النافذة لم تعد نافذة، كانت فجوةً في جدار الزمن، تطلّ على شارعٍ يمتدّ بلا نهاية، أعمدته المتهالكة أشبه بعظام قديمة تضيء وتخفت كأنها أنفاسُ أرواح منسية. لم يكن ينظر إلى الطريق، بل إلى عمرٍ يتفتت كالزجاج، يتسرب من بين يديه كما يتسرب الضوء من بين ثقوب الدجى. الليل كان يهبط ببطء، ثقيلاً كأنه محمّل بأنفاس مدينته المتعبة، والريح تمر بين البيوت كأنها تفتّش عن شيءٍ ضاع ولم يجده أحد. في البعيد، مصباحٌ يتأرجح، يرسل ضوءاً شاحباً على الإسفلت، فيبدو الطريق كأنه صفحةٌ قديمة مُحي نصف سطورها، وبقي نصفها الآخر شاهداً على حكايات لم تكتمل فصولها الاخيرة. شعر الأب، في تلك اللحظة، أن الأمكنة يمكن أن تحزن… وأن الشوارع التي امتلأت يوماً بالضحكات، تستطيع أن تصمت حتى يثقل صمتها في القلب. مرّت في ذاكرته وجوه قديمة، أصوات، أناشيد، أحلام كانت تبدو يوما قريبة كأنها على مرمى اليد… ثم ابتعدت، ببطء موجع، كما يبتعد الضوء عن غرفة يُطفأ مصباحها على مهل. تنفّس بثقل الوجع، كأن صدره كهف يختزن صخورا من زمن غابر، تتدحرج داخله أصوات قديمة، تذكره أن العمر ليس سوى ارتطام متواصل بالذاكرة. التفت، فرأى ابنه غارقا في شاشة صغيرة، كأنها كوكب يدور بعيدا عن مجرّة البيت، أريكة تتحوّل إلى سفينة من عزلة، والأصابع تسبح في ضوء بارد لا يعرف الأرض. حين تحدّث، لم يكن صوته صوتا فقط، بل صدى جبل يقاوم الريح، صلابة بقيت تقاوم كل شيء، كأنها آخر جذع وارف في غابة يابسة. قال، وكأن الكلمات وصية من زمنٍ آخر: — أريدك صلبا يا ولدي، فالوطن لا ينهض إلا حين يتذكر أن أبناءه أعمدة في وجه العاصفة، لا ظلالا تذوب في شاشات صغيرة. اقترب الابن من النافذة، ووقف إلى جوار أبيه، ونظر إلى الشارع نفسه، لكن بعينين مختلفتين؛ عينان لم تعرفا غير هذا التعب الممتد على الأرصفة. كان المارة يمشون مسرعين، لا يلتفت أحد إلى أحد، كأن كل واحد يحمل همه وحده، وكأن المدينة فقدت لغتها وصارت اجسادا تتحرك بآلية هزيلة ،تجر خلفها أعمارا لم تجد مكانا للراحة. قال بصوتٍ خافت، مثقل بما يشبه الغبار: — لا أرى إلا وجوها منهكة، وعيونا أطفأها الغياب، وأبوابا تُغلق باكرا كأنها تخشى الليل، وناسا يهربون من الغد أكثر مما يهربون من الموت. سكت لحظة، كأن الصمت نفسه يختبر صدقه، ثم تابع: — الوطن الذي تتحدث عنه يا أبي… يبدو لي كأغنية قديمة يرددها الكبار، لا كحقيقة تنبض في يومنا. أجابه الأب، وفي صوته مزيجٌ من عتاب يجرح ورجاء يتشبث . — أنتم استعجلتم الحكم… الأوطان تمرض، لكنها لا تموت، هي مثل الزمن، قد يتباطأ، قد يثقل بالآلام، لكنّه لا يتوقف، ويظل يحمل في داخله بذور البدايات مهما تكالبت عليه المحن. هزّ الابن رأسه ببطء، كأن الحركة نفسها اعتراف، وقال: — لم نستعجل يا أبي، نحن وُلدنا فوجدنا المرض قديما، ووجدنا من يتغذّى عليه، حتى صار الوطن جسدا يتقاسمه الطامعون، لا روحا نتنفسها ثم نظر إلى الشارع مرةً أخرى، وأضاف: — الوطن لم يعد مريضا فقط… صار تجارة. صار شعارا يعلو فوق المنابر، وغنيمة تتقاسمها الأيدي، وكلمة تُقال في الليل بحماسة، ثم تُكذَّب في الصباح ببرود. صار شيئاً يُرفع في الخطب… ويُنسى في الواقع. سكت الأب، كأن الكلمات أصابته في مكانٍ لا يُرى، ذلك المكان الذي يسكن فيه الإيمان القديم حين تجرحه الحقبقة. ثم قال بهدوءٍ أقرب إلى الحزن: — وهل الحل أن تتركوه؟ أن تفقدوا الإيمان به؟ أجاب الابن، وعيناه لا تزالان معلّقتين في البعيد: — نحن لم نفقد الإيمان بالأرض يا أبي… الأرض لا تخون. نحن فقدنا الإيمان بمن يتحدثون باسمها. من جعلوا الوطن سلعةً في الأسواق، وأقاموا على أبوابه حراسا لا يعرفون غير الجوع. ثم التفت إليه وقال، بصوتٍ فيه وجعٌ صريح: — لماذا يُطلب من الفقير أن يموت دفاعا عن وطن لا يجد فيه عملاً؟ لماذا يُطلب من الجائع أن يحرس مخازن القمح؟ ولماذا يُقال لمن لا يملك شيئاً ضحي بكل شيء؟ وساد الصمت لحظة، صمتٌ ثقيل، كأن السؤال نفسه ظلّ معلقاً في الهواء… يبحث عمن يجيب. التفت الأب إليه، وفي صوته بقايا يقينٍ قديم سكت الأب طويلاً، حتى ظنّ الابن أنه لن يجيب. كان ينظر إلى الشارع، لكن عيناه لم تكونا في الشارع… بل في زمن بعيد، كأنه يفتّش عن كلمات لا تؤذي الحقيقة ولا تخونها. ثم قال بصوت هادئ، متعب: — لأن الفقير يا بني… هو الوحيد الذي يعرف قيمة الوطن حقاً. الغني يستطيع أن يرحل، والمتخم يجد دائماً مكاناً آخر، أما الفقير فلا يملك إلا هذه الأرض، حتى لو قست عليه. سكت لحظة، ثم تابع: — أنا لا أطلب منك أن تموت لأجلهم… ولا لأجل خطاباتهم، ولا لأجل قصورهم. إن كان هناك شيء يستحق أن نحمله، فهو الناس الذين يشبهوننا… أولئك الذين يقفون في الطوابير، ويعودون في المساء متعبين، ويحلمون فقط بحياة عادية. نظر إلى ابنه، وقال: — الوطن يا بني ليس الحاكم، ولا الراية وحدها، ولا الحدود المرسومة على الورق، الوطن هو وجوه الناس الطيبين، البيوت الصغيرة التي تضيء رغم العتمة، هو الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن عند الأبواب. ثم تنهد وقال: — قد يسرقون الوطن من جيوبنا، لكن إن تركناه يسقط من قلوبنا… فلن يبقى شيءٌ أبداً. وسكت الأب، وكان في صوته شيءٌ يشبه الاعتراف، لا بالنصر ،بل بالإصرار على ألا يموت المعنى الأخير في الصدور. أطرق الأب رأسه، وقال بصوتٍ خافت: — لأن الوطن ليس هُم… الوطن نحن. ردّ الابن: — لو كان الوطن نحن… لما كان حالنا هكذا. الوطن يا أبي صار بعيداً عن أهله، كأنه أُخرج من بيوتهم وأُسكِن في خزائن مغلقة، جيلكم كان يحلم أن يحرّره… وجيلنا يحلم فقط أن يراه. رفع الأب عينيه، وكانت فيهما غصّة: — إذن أنتم يائسون؟ صمت الابن لحظة، ثم قال: — لا… لسنا يائسين تماماً. اليائس هو من لم يعد يحزن. ونحن ما زلنا نحزن، وهذا يعني أن شيئاً ما في داخلنا لم يمت بعد. نظر الأب إلى ابنه طويلاً، ثم قال: — ربما يكون الوطن الحقيقي هو هذا الشيء… الذي يجعلك تحزن عليه، حتى وأنت غاضب منه. ساد الصمت، وكان في الغرفة شعورٌ ثقيل، كأنّ الكلمات نفسها صارت متعبة. وفي الخارج، كانت المدينة تمضي في ليلها، بين أضواءٍ قليلة، وقلوب كثيرة ولكنها متعبة، وأسئلة بقيت بلا بابٍ يقود إلى جواب.، لكنها لا تزال تُطرح، وهذا وحده، علامة أن الحكاية لم تنتهِي ولن تنتهي. |
|||
|
![]() |
|
|