مات العقاد !
العربي الذي دق أبواب هوليود قبل أكثر من خمسين عاما بكلتا يديه , فاقتحمها , وغدا واحدا من كبار مخرجي العالم .
مات صاحب الرسالة وعمر المختار , صاحب هالوين بأجزائه السبعة والعديد من الأفلام السينمائية التي وضعته على لائحة العالمية مع أنه لم يغادر لحظة محليته وإيمانه وقوميته العربية التي يعتز بها .
مات عاشق بيروت , وكان حلمه أن يبني على أرضها اضخم أستوديو في الشرق كله .
مات مصطفى العقاد , صديقي الذي أحب واحترم , لا يزال صوته قبل أيام يرن في أذني حين اتصل ليحيي راغب ونيشان في أكيد مايسترو .
قبل أعوام قليلة كنت في عرس ابنته ريما , هنا في بيروت , وريما العروس والأم لن تجد فرصة لتبكي أباها , ريما ماتت قبله بيوم واحد , ماتت أمامه !
هذا الرجل المرهف , رجل الغربة التي تمتد على أجيال , لم تنقطع جذوره عن هنا , عشقه للأرض قتله , محبته للأصدقاء قتلته , كان مستعدا ليطير من لوس أنجلوس إلى أي بلد عربي لكي يلبي دعوة صديق , أو يقوم بواجب ما تجاه أي إنسان ربطته به علاقة ولو عابرة ؟.
المخرج الكبير الذي كرمه العالم كله حين قدم للملايين أفلاما تضيء على تاريخ العرب والإسلام , قتل في بلد عربي , وقتله أشخاص يدعون أنهم مسلمون ؟.
العالم كرمه ونحن كافأناه بالقتل مع ابنته الصبية التي لم تفرح بعد بالحياة !
مات في عمان , في البلد الذي أحبه كما بيروت ودمشق ومسقط رأسه حلب .
مات وهو يلبي دعوة لحضور عرس أحد الأصدقاء في العقبة , وصل عمان وكعادته أقام في فندق حياة ريجنسي , وريما هرعت اليه من بيروت لتلتقيه هناك ,
لم يتعانقا , كأنما مشهد سينمائي من أحد أفلام هالوين , فتح ذراعيه لحظة دخولها بهو الفندق , أسرعت نحوه ,, والمسافة كانت كبيرة , كانت قاتلة , لم تسقط في حضنه كعادتها , لم يسمع صوتها تهمس " الحمد لله عالسلامة " , دوي الانفجار
منع الصوت وأطال المسافة , والضحايا الذين سقطوا ليلتها كانوا كثيرين , كلهم مظلومون وضحايا ,وكلهم أحبة لنا وأخوة ,لكن لم يكن بينهم واحد مثل العقاد , ليس في عالمنا العربي
كله رجل آخر مثل مصطفى العقاد , كنا نباهي به , حين يذكرون صناعة السينما , نفاخر به حين يذكرون اسمه كواحد من الكبار الكبار .
قبل خمسين عاما , حلم الشاب ابن ال18 عاما بدراسة الإخراج في هوليود , سخروا منه , ضحكوا عليه , لكنه حقق ما أراد وحين أقلعت به الطائرة إلى هناك , لم يكن في جيبه سوى المصحف الكريم و200 دولارا كانت كل ما يملكه الوالد الطيب الكريم . كافح وتعب وحاربوه لأنه ابن عرب ينافسهم في عقر الدار ,حاربه يهود هوليود لأنه مسلم واسمه مصطفى , وبموهبته وإصراره حقق الحلم , وغدا من أشد المنافسين لكل من سبقوه إلى الضوء .
كنت أسأله أحيانا , حين يصل إلى بيروت , ألا تتعب من السفر , وكان يقول : متعتي لقاء الأصدقاء , حين أراكم أنسى تعبي .
أحيانا كنت أحسه يسكن حارتنا , يقيم في شارع بيروتي ما , حضوره دائما كما النسيم , يأتي عاطرا ويغادر قبل أن نشبع منه , وأعرف كم من عرب وأجانب سيبكون رحيله المفجع هكذا .
مات العقاد , الذين قتلوه , كيف لم يشعروا بالمصحف لا يزال في جيبه إلى جانب القلب , كيف لم يدركوا أنهم قتلوا الرجل الذي قدم " رسالة الإسلام " بكل عظمتها ودعوتها إلى السلام للعالم كله ؟.
مات العقاد , لم يمت العقاد , الذي انتصر للعرب والمسلمين في كل محافل العالم لا يموت أبدا .