هى لحظةٌ فقط نبتعد فيها عن ضوضاء الدنيا لنتزين بصمت القيامة , وتقوم لحظتها آمالنا لتلتحف بزى آخر وبسقف آخر ... أتخيلُ صورتى حينما أموت , ربما .. أتعب قليلا .. أبرد .. أخاف .. أطمئن .. أتمتم .. أسكت .. أنام .. أصحو ..هى لا شك حالة شعورية جديدة ربما لم أعتدها من قبل , يشيخ خلالها القلب أكثر واكثر من أى وقتٍ مضى , فيخفت بريق لمعانه , ويُسدَلُ الستارُ على ضحكته الطفولية ؛ ليصبح شيخٍاً كبيراً يضحك ثم يضحك ثم يضحك .. ثم ماعاد يضحك , فيبكى وووو ... وتنتهى الحكاية ... يبكى علىَّ الأهلُ والاحباب ؛ لأنهم يتذكرون فىَّ ماضيهم , ويرون فىَّ مستقبلهم الذى يخافونه ... أتخيل ساعتها سباق العيون وهى تجتهد ُ لترى الدنيا أكثر ضبابية ًّ وقتامة .. يجلس صديقٌ لى أعرفه ؛ ليسأل " كيف يكون أحمد ُ الآن ؟! . هل يبكى لفراقى أم يفرح بلقاهم ؟! . هل يرسم العالم حوله بشرود لا نهائى من الخوف والقلق , أم هل يجلس بعيداً فى هذا الركن البعيد ينتظر قادماً جديداً يخفف عليه آلام الوحدة ؟!" . وأرى أيضا صديقاً آخر يبكى ثم يسأل : " ولم البكاء " ؟! . هل أبكى عليه؟ , أم أبكى على حالى ؛ لأن الموت قد سرق منى " أحمد" الذى كان يشجعنى على خوض غمار القيامة ؟!" .. وأرى أحداً هناك يفكر بصمت ٍ يحترم من خلاله حالة القيامة التى تحيطُ ببيتى .. " أدفع ُ عمرى وما تبقى وما مضى منه لأرى عيون أحمد كيف أكرمت الموت وكيف أحسنت استقباله , وكيف شردت بعيدا ً ولم تعد ْ حتى الآن إلى مراسيها ؟! ؛ ألانها ضلت الطريق أم استهوتها طرقٌ أخرى ؟! " .. وأرى جارتنا التى يخيط الحزن ملامحها وهى تعزى أبى وتواسيه : " كان قلبه صغيراً على الموت , وجسده كان خفيفاً على القيامة ! " .. وأرى شيخاً جليلا ً يأتى إلى أبى يقدم ُ خطوة الإيمان ؛ ليؤخر خطوة الأبوة ويقبل أبى من بين عينيه ويهدأُ من أبوته : " فلتطمئن الآن , وأبشرك ببيتٍ الحمد بيتِك الجديد فى جنة الله " . وأرى عجوزاً تقتحم أبى لتقول له : " يا أبا خالد .. هوِّن عليك . لقد دخل أحمد الموت بقلبٍ طفولى وروحٍ شابة وعين ٍ فتية , فلم ينل الموتُ منه إلا قليلا .. فما بالك , كيف سأدخله بعين منكسرة وروحٍ عجوز وجسدٍ بالى؟! " . وأرى ابنة الجيران المراهقة التى تلوم الموت وتسأله : " لماذا لم تتركه لى قليلا ؛ لأشعر معه بأنوثتى , وبأننى اقتربت من الطريق كلما كان يبتسم ساخراً منى , ويعطف ُ على َّ ويغلق ُ شباكه حين أطل ُ " كقمرٍ صغيرٍ " من نافذتى ؟! " . وأرى أناساً كثيرين يندبون الفتى ويبكونه ويتساءلون : " كيف سندخل هذه الشبكة العنكبوتية دون أن نصطدم بأحمد وابتسامته " التنكة" ونظارته السوداء ؟!" . هذا كل ما فى الأمر ! .. وأرى أحداً يبكى ؛ لأننى قد أخذتُه معى دون أن يستعد لذلك , وتركتُ جسده هناك فى هذه الدنيا يسيرُ بطئ الخطى قليل الإيقاع , ثم ما تلبث الحياة أن ترميه فى متاهاتها , فيغفو وينسانى قليلاً ثم يعودُ يتذكرنى بدمعةٍ خجولةٍ تسأله على مهل : " أتُرى .. كيف كان لأحمد أن يقتسمَ معى اللحظة الآن ؟!" . أما أنا فأرى نفسى بعيداً عن عالمهم حيث امتصتنى هناك أطياف الموت المؤقت , وأرى نفسى مغمض العينين مبتسماً لمن تذكرنى وعابساً فى وجه من سرقونى ...
أُدركُ ـ فجأة ـ أن كل هذا الموت كان لى حين أيقظتنى من نومى القصيرمضيفةُ الطائرة ؛ لتخبرنى بأنه " حمدالله على السلامة يافندم فى بلدك الثانى " . أدقق النظر فى من حولى فأرى من نافذة الطائرة عقالاً أبيضاً اتَّسخ ببعض بقايا البترول قد جاء ؛ ليسرقنى منك ياوطن .